محمد هادي معرفة
37
التمهيد في علوم القرآن
الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان ، جامعا في ذلك بين الحجّة والمحتجّ له ، والدليل والمدلول عليه ، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه ، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه . . . ومعلوم أنّ الإتيان بمثل هذه الأمور ، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتّسق ، أمر تعجز عنه قوى البشر ، ولا تبلغه قدرهم ، فانقطع الخلق دونه ، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله . ثم صار المعاندون له يقولون مرة : انّه شعر ، لمّا رأوه كلاما منظوما ، ومرّة سحر ، إذ رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه ، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب وقرعا في النفوس ، يريبهم ويحيّرهم فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف . . . وكيفما كانت الحال ودارت القصّة ، فقد حصل باعترافهم قولا ، وانقطاعهم عن معارضته فعلا ، أنّه معجز . وفي ذلك قيام الحجّة وثبوت المعجزة ، والحمد للّه « 1 » . وأضاف - قائلا - اعلم أنّ عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات ، هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ الأشكل به ، الذي إذا ابدل مكانه غيره جاء منه إمّا تبدّل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام ، وإمّا ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة . ذلك أنّ في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني ، يحسب أكثر الناس أنّها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب ، غير أنّ الأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك ، لأنّ لكلّ لفظة منها خاصيّة تتميّز بها عن صاحبتها في بعض معانيها ، وإن كانا قد يشتركان في بعضها . . . ومن هنا تهيّب كثير من السلف تفسير القرآن ، وتركوا القول فيه ، حذرا أن يزلّوا فيذهبوا عن المراد ، وإن كانوا علماء باللسان ،
--> ( 1 ) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ، الرسالة الأولى للخطّابي : ص 21 - 29 .